أخبارنا

"قراءة فى مشروع قانون خراب إقليم مصر"


لم أكن "أنتوي" الخوض فى هذا الموضوع فقد سبقني إليه غوصاً لامس الأعماق قامات قانونية ودستورية عملاقة كالعلامة الدكتور البشري و الجهبذ الأستاذ حسام عيسى وآخرون ، إلا أن حوار حاداً عاصفا هب بيني وبين أصدقاء "نحسبهم فى عِداد المثقفين "المتنورين" - تبينت من خلاله أن الصورة لديهم مشوشة مهزوزة  غير مكتملة الأركان عن هذا الخطر الذي يحيق بمصر وأهلها ، وربما يكون ذلك بسبب "لوغاريتمات" النص القانوني والجهد "الخبيث" المبذول من ترزية قوانين الحاكم (أي حاكم) فى لي عنق النصوص وتطويعها لخدمة أهدافهم الدنيئة ، من هنا كان قراري مشاركتكم فى استجلاء وكشف ألغام هذا المشروع.

بعد قيام جريدة المصري اليوم في 27ابريل13 بنشر نصوص مواد مشروع قانون تنمية إقليم قناة السويس  ومرور أكثر من أسبوعين على النشر ، وعدم ظهور مسئول واحد يكذب ما نشرته الجريدة أو يتهمها بتحريف أصل مشروع القانون - الذي سبق وأعلن وزير الإسكان عن الانتهاء من إعداده بتاريخ  17ابريل13 - يصبح المنشور بالجريدة - حتى الآن – هو نص مسودة المشروع الأولى  الذي يستوجب منا ( المهتمون) مناقشته وتفنيد بنوده وكشف طلاسمه لبيان مزاياه أو فضح عواره.

سنركز في هذه القراءة على محور واحد فقط كفيل بنسف مشروع القانون المقدم وهو مصطلح "الإقليم" الوارد بالمشروع من حيث (تعريفه ، حدوده ، أملاكه ، هيئته  ومجلس إدارته) ، إقليم يزعمون تنميته "سيحمل الخراب لمصر" إذا تم إقرار القانون على هذا النحو ، ومن خلال ما يلي من سطور سنوضح جدية ومنطقية المخاوف من انفصاله أو تدويل سيادته بعد سحب السيادة المصرية من عليه.

الإقليم هو "رقعة من الأَرض تتسم بخصائص معينة تميزها عما يجاورها من أقاليم أخرى ، تجتمع فيها صفات طبيعية أو اجتماعية تجعلها وَحدة خاصَة" ، .... والسؤال هنا هل يمكن أن يتحول الإقليم إلى دولة مستقلة ؟!!.

ان اصطلاح "الدولة" الذي اتفق على تعريفه أكثر الفقهاء هو : "شعب مستقر على إقليم معين ، وخاضع لسلطة معينة" ... ،وبالتالي فإن عناصر تكوين أي دولة هي شعب (وهو موجود)، وإقليم (وسبق تعريفه) ، وسلطة (وهي غالبا حكومة أو مجلس)، ويلحق بالسلطة ركن "السيادة" ، وفي هذا نظريتين ، النظرية الفرنسية أوجبت وجود السيادة ، فلا يمكن قيام دولة بدون سيادة أي "السلطة غير المقيدة في الخارج والداخل" ، أما النظرية الألمانية فهي لا تشترط لقيام دولة وجود حكومة ذات سيادة ، ومقتضاها "أن العبرة في قيام الدولة هي وجود حكومة تملك سلطة إصدار أوامر ملزمة في قدر معين من الشئون المتصلة بالحكم ، ولو لم تكن لها السيادة بالمعنى المطلق في كافة تلك الشئون " .... ، فهل تتيح مواد مشروع القانون فرصة استقطاع الإقليم من أراضى جمهورية مصر العربية ومن ثًم إعلان استقلاله عنها ؟.
هذا بالفعل ما نصت عليه المواد (1/ أ ، ب) ، (3 : 21) فهي تكرس بل تؤكد هواجس احتلال واستعمار أغلى قطعة أرض فى مصر برفع الولاية القانونية عنها، فالإقليم في مشروع القانون غير واضح الحدود ينتظر قراراَ من رئيس الجمهورية بتحديد ملامحه حسب الهوى والمزاج الرئاسي الإخواني ، وفضلا عن ذكر القطاعات المكانية الأربع المكونة له بدون بيان واضح لحدودها فقد أضاف المشرع للمادة الخاصة بها عبارة "وغيرها من القطاعات المستحدثة" مما يفتح الباب لإضافة أي مكان فى مصر للإقليم دون ضوابط معلومة وأسس مفهومة .

 ثم أن الهيئة التي تديره وتتبع رئيس الجمهورية وتضع وتخطط وتنفذ السياسات والنظم الخاصة بتنميته وتطويره ستؤول إليها ملكية جميع الأراضي المملوكة للدولة والواقعة داخل قطاعات الإقليم  ، كما تؤول إليها الحقوق والالتزامات المترتبة على العقود والتصرفات الواردة على هذه الأراضي والمنشآت الكائنة عليها أيضاً ؟!! ، مما يعني أن أي مناطق أو أماكن يضيفها رئيس الجمهورية للإقليم مستقبلاً تصبح بمجرد توقيع القرار ملكاً أيضاً لهيئة الإقليم خاضعة لنظامه وقوانينه الخاصة ، ولهذه الهيئة رأسمال يتكون من عوائد أنشطتها واستثماراتها وما تحصل عليه من الهبات والمنح والقروض والتسهيلات وأي أموال أخرى بدون قواعد أيضاً !! ، ولها أن تنشئ فروعاً ومكاتب وإدارات داخل البلاد وخارجها ، وتتمتع بالإعفاء من الضرائب على المبيعات ومن إتباع الإجراءات التي تتطلبها القوانين واللوائح الجمركية ، ولها موازنة مستقلة لا تتبع القواعد المعمول بها فى إعداد موازنات المشروعات الاقتصادية.

أما مجلس إدارتها فيسلك طرق الإدارة المتبعة فى المشروعات الاقتصادية الخاصة دون التقيد بالنظم والأوضاع الحكومية ، ويكون له فى سبيل مباشرة اختصاصاته جميع السلطات اللازمة وبوجه خاص تملك الأراضي والعقارات و نزع الملكية للمنفعة العامة ، وتأجير أراضيه أو عقارات يملكها، واستئجار أراضى أو عقارات مملوكة للغير لإنشاء المشروعات والمرافق كمنشآت المياه والقوى الكهربائية والطرق ...الخ ، و يرسم السياسة العامة للتنمية بالإقليم ، ويقر الخطط والمخططات والبرامج والمشروعات ، ويضع شروط ومعايير التخطيط العمراني والبناء والمرافق ، وحماية إدارة البيئة والتأمين عليها ، ونظم الرقابة الصحية والبيئية والفنية ، ويصدر التراخيص البيئية والسلامة والصحة المهنية  وينشأ ويدير المرافق العامة والبنية الأساسية بما فى ذلك الطرق والمياه والصرف الصحي والصناعي وشبكات توزيع الكهرباء وشبكات الاتصالات وخدماتها ، ويضع النظم الخاصة بإنشاء وإدارة الموانئ والمطارات ، والقواعد التنظيمية بنظم العمل والتأمينات الاجتماعية ، والنظم والإجراءات الخاصة بالوكالات التجارية، والجمارك ونظم الاستيراد والتصدير من وإلى قطاعات الإقليم، ، ويصدر قرارات تقسيم الأراضي ، ويضع نظم الشهر والتوثيق، والنظم الخاصة بالسجل التجاري، ، وشروط ومعايير إصدار تراخيص البناء والهدم و إنشاء المدارس والمعاهد ودور الحضانة والمستشفيات والمراكز العلمية والبحثية والطبية والثقافية والنوادي وغيرها من الأنشطة الثقافية والتعليمية والصحية والاجتماعية أو أي أنشطة أخرى داخل الإقليم ، أو لوقفها، أو إلغائها ، ذلك كله دون التقيد بأي شروط أو معايير فى أي قوانين أو لوائح أو نظم أخرى خاصة بتلك الموضوعات ، يعني خارج نطاق القوانين المصرية بأكملها.

إذن اكتملت الصورة الآن فبعد إقرار المشروع سيصبح ..."إقليمهم" ... لديه حدود جغرافية محددة ويسكنه شعب معروف قد يكون من الأجانب المستثمرين أو الخونة المتأخونين و تحكمه سلطة قادرة على اتخاذ كل الإجراءات المسيطرة السيادية دون التقيد بالقوانين والنظم واللوائح فى الدولة المصرية المجاورة له ، ولن يتبقى له حينئذ إلا  مرتزقة كجيش ، وعلم ، وتدويل قضيته تحت شعار الاستقلال التام أو الموت الزؤام . 
بقلم : محمد ابو طور




ليست هناك تعليقات