أخبارنا

ابراهيم رمضان يكتب :"أبو قردان"

علّمونا في الصغر في كتبهم المدرسية التي "قوّست ظهورنا من حَملها"، أن "أبو قردان" أو طير بقر -كما يسميه المغاربة- صديق الفلاح، ودليل نقاء البيئة من التلوث. تورمت أيادينا من عِصيهم، مرارا وتكرار؛ لنحفظ دور هذا الطائر، فهو الطائر الأبيض الذي ستجدونه يحوم حول آبائكم، يلتقط الديدان من الأرض الطيبة.. يقاتل الآفات الزراعية، وقت سَقْي الأرض. 

حذرونا من اللهو معه أو محاولة إيذائه، فتلك مجرّمة في الدين، ولعنةٌ في الدنيا على محاصيلنا، فهل يعقل أن تقتلوا صديق أبيكم؟! نصحونا ونسوا أنفسهم، قتلوه بدم بارد، وهم يتضاحكون، أماتت قلوبكم وضمائركم؟، ألم تعد توخزكم؟، تسببتم في اختفاء الطائر الأبيض، بينما لا تزال وجوه "الغربان" تطل علينا من شاشات التلفاز عبر فضائياتهم، التي يبثونها من عائدات "قتل الفلاح وصديقه" أو من مواقعهم أو حتى صحفهم وشركائهم في المناصب الحكومية.

قال الابن لأبيه بعد عودته من المدرسة: في فصل تاريخ الطيور، حدثونا عن صديق الفلاح، فلِمَ لا نراه بأعداده التي يذكُرونها؟ رد الفلاح الفصيح: للأسف يا ولدي! هذا الطائر الصديق بالفعل بدأ يختفي بشكل كبير، وتوحشت بعض الآفات والديدان التي كان يقتنصها..

 الابن: ولماذا اختفى يا أبي؟ وأين يمكنني أن أراه مجددا؟.. يا ولدي، في عقود من الفساد، فتحت فيها الأبواب لتجار السموم والهباب، تسللوا إلينا، استورد معدومو الضمير وغلاظُ الكروش ممن تراهم ليل نهار كالغربان على شاشات التلفزيون، أدويةً "مبيدات" للمحاصيل مغشوشة ومجهولة المصدر.. ولكن يا أبي هل الأدوية فقط هي السبب؟.. لا يا ولدي: فغربان كُثر حامت وحلقت، نهشت في أجساد الغلابة والفلاحين، دمرت أراضيهم بالخوازيق الأسمنتية التي زرعوها في أرضنا الطيبة، ضيقوا على الفلاح، أغرقوه في الديون، اشتروا محصوله بثمن بَخس، فاستدان من بنوكهم، وتعرض للسجن، فرضخ لرغباتهم الشيطانية، وباع أرضه قيراطا تلو الآخر؛ ليسدد قروضه، بينما يسكن اللصوص في فيلات وقصور.. يا ولدي: تراهم على شاشات، اشتروها من تجارتهم الفاسدة، يتنفّسون كذبا، يتباكون على الفلاح، ويسرقونه خِلسةً، يستوردون كلَّ ما هو ضار من دول لا ترغب في أي خير لنا، ويعتبرونها هم دُولا صديقة؛ لأن دولارتها تملأ جيوبهم.

 وأين أرى يا أبي تاريخ صديقك؟.. يقولون: يا ولدي إنهم أنشئوا متحفا منذ 100 عام للمحاصيل والنباتات والطيور التي تختفي تدريجيا من الوجود.. ولماذا لا تختفي الغربان يا أبي كما اختفى "أبو قردان"؟.. يا ولدي: الغربان السوداء تسكن في كل مكان وتطل علينا ليل نهار في هيئة طير تارة، وفي هيئة بشر في مناصب وزارية أو قيادية تارة أخرى..

قال الأب لابنه: إنه رأى حلما.. سربا من طيور بيضاء تحوم حول مبنى أثري بمنطقة الدقي، تعلوها غراب كالح السواد، وأن نسرا حلّق مع هذه الطيور، فانهال على الغراب بمنقاره، ليردِيه قتيلا، فَعَلَت بعدها الطيورُ البيضاء عاليا حتى وصلت عَنان السماء" في بياناتها التي تعلنها تباهيا تارة، وحسرة على ما دمروه بإهمالهم تارة أخرى"..

تقول لنا وزارة الزراعة: إن التعديات دمرت 38 ألف فدان منذ 25 يناير، وحتى الشهر الماضي. تقول المراجع من كتب التراث: إن "ابن الطفشان" في كتابه "الطائر الحيران" المنشور منذ 1000 عام، قد ذكر لنا مزايا "أبو قردان"، معلنا أنه سيأتي عليه زمان يقتله جبناء بني البشر، بالسم تارة، وبتدمير الأرض الطيبة التي يقتات منها تارة أخرى. ويبشرنا "ابن الطفشان" في رواية أخرى، أن لعنة اندثار هذا الطائر، ستصيب كل مسئول فرّط في حمايته.

وزارة البيئة المعنية بحماية الطيور النادرة، أعلنت عن أنها ستشكل لجنة برئاسة رئيس جهاز حماية البيئة، لتبحث كيفية حماية صديق الفلاح "أبو قردان"، وستعلن نتائجها خلال فترة وجيزة لن تزيد عن 20 عاما! 

(بقلم - ابراهيم رمضان)

ليست هناك تعليقات